قال مدير الإدارة الرقمية في قناة "المملكة" أحمد حيمور، إن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولاً في العمل داخل غرف الأخبار، من خلال تسهيل العمليات التحريرية اليومية وتوسيع قدرة الصحفيين على البحث وإنتاج المحتوى ومتابعة المصادر المفتوحة، مؤكداً أن مواكبة هذه التطورات تتطلب تطوير المهارات التحليلية والتحقق من المعلومات.
وأضاف حيمور، خلال جلسة "الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار" ضمن ملتقى مستقبل الإعلام والاتصال، السبت، أن استخدامات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي تشمل ترجمة النصوص وتلخيصها، وتسهيل عمليات البحث، وإنشاء الفيديو، إلى جانب أدوات مدمجة في أنظمة إدارة الأخبار والأرشفة تعمل في الخلفية لدعم سير العمل التحريري.
وأشار إلى أن هذه الأدوات أسهمت في تطوير العمليات التحريرية وتسريع إنجاز المهام، لكنها تفرض تحديات تتعلق بإدارة الوقت وجودة العمل الصحفي، في ظل تزايد حجم المحتوى وسرعة إنتاجه.
وأوضح حيمور أن تطور أدوات الذكاء الاصطناعي أتاح للصحفيين التعامل مع كميات أكبر من المعلومات ومتابعة موضوعات متعددة، لافتاً إلى أن الصحفي الذي كان يستغرق أياماً في إعداد مادة صحفية أصبح بإمكانه الاستفادة من هذه الأدوات لإنتاج تقارير متعددة خلال وقت أقصر، شريطة امتلاك القدرة على تحليل المعلومات وتقييمها.
وأكد أن التحقق من المعلومات يظل أساسياً في العمل الصحفي، رغم تطور الأدوات التقنية، موضحاً أن مبادئ التحقق لم تتغير، لكن أساليبه ومصادره أصبحت أكثر تعقيداً مع انتشار المحتوى المضلل وتعدد أشكاله، بما في ذلك الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية.
وبيّن أن التحقق يتطلب فحص مصدر المعلومات، والتأكد من حداثتها وسياقها الزماني والمكاني، إلى جانب التحقق من أصالة المحتوى وعدم اجتزائه أو استخدامه خارج سياقه، في ظل تنامي قدرات الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتوى قد يصعب تمييزه عن المحتوى الحقيقي.
ولفت حيمور إلى أن الاعتماد على القوالب والأدوات المتشابهة في إنتاج المحتوى باستخدام الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تقارب المخرجات، ما يعزز أهمية الخبرة الصحفية والقدرة على تقديم معالجة مهنية وتحليلية للمعلومات.
وشدد على أن مستقبل الصحفي يرتبط بقدرته على مواكبة التطورات التكنولوجية والتعلم المستمر، محذراً من أن الصحفي الذي لا يطوّر مهاراته ولا يتكيف مع الأدوات الجديدة قد يواجه صعوبات خلال السنوات المقبلة، في حين تزداد أهمية المهارات التحليلية والتحققية في بيئة إعلامية تعتمد بصورة متنامية على الذكاء الاصطناعي.
واستشهد حيمور بدراسة لمعهد رويترز لدراسة الصحافة، أشار خلالها إلى أن نحو 80% من الصحفيين يستخدمون أداة واحدة على الأقل من أدوات الذكاء الاصطناعي في عملهم.
وأضاف حيمور أن التعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار يتطلب وضع سياسات واضحة وعملية، تضمن الاستفادة من هذه التقنيات دون الوقوع في أخطاء تحريرية، لا سيما أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تقدم إجابات تبدو موثوقة ومدعومة بمصادر ومراجع، رغم احتمال احتوائها على معلومات غير دقيقة.
وأوضح أن التحدي يتمثل في صياغة سياسات لا تتحول إلى قيود بيروقراطية تعيق التطور التكنولوجي، بل توفر تعليمات عملية تساعد الصحفيين على استخدام الأدوات بكفاءة، مع الحفاظ على جودة العمل الصحفي ودقته.
وأشار إلى أن السياسات المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تتطور باستمرار، لافتاً إلى أن القواعد التي تناسب الأدوات في مرحلة معينة قد لا تكون ملائمة بعد شهر أو شهرين، مع تسارع تطور هذه التقنيات وتوسع استخداماتها.
وبيّن حيمور أن التوجه المطلوب يتمثل في تصنيف أدوات الذكاء الاصطناعي وفق مستويات المخاطر المرتبطة بها، بدلاً من وضع تعليمات منفصلة وثابتة لكل أداة، إذ يمكن للأداة الواحدة أن تُستخدم في مهام منخفضة المخاطر وأخرى تتطلب ضوابط أكثر صرامة.
وأضاف أن هذا التصنيف يجب أن يراعي طبيعة الاستخدام والبيانات التي تتم معالجتها، والتمييز بين الأدوات العامة والخدمات الداخلية المطوّرة داخل المؤسسات الإعلامية، بما يضمن تحديد المخاطر المرتبطة بكل استخدام ووضع الضوابط المناسبة له.
وشدد حيمور على ضرورة تحديد استخدامات محظورة بوضوح، ووضع ضوابط خاصة للمجالات الحساسة، بما فيها القضايا المتعلقة بالصحة والأطفال والنوع الاجتماعي، مؤكداً أهمية مواصلة تطوير السياسات والتعليمات بالتوازي مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي واستخداماتها في العمل الإعلامي.
من جهته، قال خبير استراتيجيات أتمتة الذكاء الاصطناعي في جامعة بروكسل، الدكتور دافيد غرونوالد، إن التطور المقبل في توظيف الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار يتمثل في الانتقال من الأدوات المنفصلة التي تنفذ مهام محددة إلى أنظمة متكاملة تنسّق بين وكلاء الذكاء الاصطناعي وتستبق احتياجات الصحفي.
وأضاف غرونوالد، خلال جلسة “الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار” ضمن ملتقى مستقبل الإعلام والاتصال، السبت، أن المؤسسات الإعلامية تستخدم حالياً أدوات متخصصة لتلخيص النصوص وترجمة المقابلات وتفريغ التسجيلات الصوتية، إلا أن هذه الأدوات تعمل بصورة منفصلة، دون وجود نظام تنسيقي متكامل يربط بينها ويتابع احتياجات الصحفي.
وأوضح أن النموذج المستقبلي يقوم على وجود وكيل مركزي للذكاء الاصطناعي يتولى التنسيق بين أدوات متعددة، ويكون على دراية بعمل الصحفي وسياق مواده، بما يتيح له متابعة التطورات ذات الصلة بموضوعاته وإخطاره بالتغييرات التي قد تستدعي تحديث تقاريره.
وضرب مثالاً على ذلك بإعداد صحفي تقريراً عن تطور سوق خدمات الفيديو حسب الطلب في الشرق الأوسط، إذ يمكن لنظام الذكاء الاصطناعي متابعة التغييرات التشريعية في المنطقة بصورة يومية، وإخطار الصحفي بأي تشريع جديد محتمل قد يستدعي تعديل جزء من تقريره.
وتوقع غرونوالد أن يبدأ هذا التحول بالظهور خلال عام 2027، مع تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي لتصبح أكثر قدرة على فهم سياق العمل البشري، وربط المعلومات الواردة عبر البريد الإلكتروني والأدوات المختلفة، والإجابة عن الاستفسارات استناداً إلى السياق الكامل لعمل المستخدم.
وأكد أن هذا التكامل سيمثل تحولاً جوهرياً في غرف الأخبار، إذ لن يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تنفيذ مهام منفردة، بل سيمتد إلى تنسيق العمل الصحفي ومتابعة مستجداته واستباق احتياجات الصحفي.
المملكة