تختزل البوابة الذهبية في إسطنبول نحو 1600 عام من تاريخ المدينة، إذ انتقلت من مدخل احتفالي عبره الأباطرة البيزنطيون وجيوشهم لاستعراض انتصاراتهم، إلى جزء من قلعة يدي كوله العثمانية، بعد إغلاق ممراتها وتحويلها إلى منشأة دفاعية.
وتقع البوابة، المعروفة باسم "ألطون قابي"، في الجزء الجنوبي من الأسوار البرية التاريخية بمنطقة يدي كوله، في القسم الأوروبي من إسطنبول، وتتميز بواجهتها الرخامية البيضاء التي تعكس مكانتها المعمارية والرمزية في تاريخ المدينة.
مدخل الأباطرة
ارتبطت البوابة الذهبية بتوسع إسطنبول في العهد البيزنطي، حين أُنشئت الأسوار البرية في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس، لتصبح البوابة جزءا من منظومة التحصينات الجديدة ومدخلا للمواكب الإمبراطورية.
وتُعرف البوابة باللاتينية باسم "بورتا أوريا"، فيما أطلقت عليها المصادر العثمانية اسم "ألطون قابي". ولم تكن مغطاة بالذهب، بل ارتبطت تسميتها بالزخارف والحروف المذهبة التي كانت تزينها.
وقال الأكاديمي ومؤرخ الفن التركي ياسين صايغلي إن البوابة القائمة حاليا ليست أول بوابة حملت هذا الاسم في تاريخ إسطنبول، موضحا أن الأسوار الأولى التي أُنشئت في عهد الإمبراطور قسطنطين كانت داخل حدود المدينة اللاحقة، قبل بناء الأسوار المحيطة بمنطقة الفاتح في عهد ثيودوسيوس.
وأوضح أن البوابة ضمت مدخلا رئيسيا يبلغ عرضه، وفق تقديره، نحو 30 مترا، وإلى جانبيه مدخلين أصغر، يتراوح عرض كل منهما بين 9 و10 أمتار، فيما عُرف معبر أمامها باسم "كوجك ألطون قابي"، أي بوابة الذهب الصغيرة.
وشبّه صايغلي البوابة بأقواس النصر الرومانية، مشيرا إلى أن مواكب الأباطرة والجيوش كانت تعبرها عند العودة من الحروب أو التوجه إليها، لتؤدي وظيفة احتفالية ورمزية إلى جانب دورها الدفاعي.
ومن أبرز الأحداث المرتبطة بها دخول الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثامن باليولوج إسطنبول عام 1261، بعد استعادتها من الإمبراطورية اللاتينية التي سيطرت عليها منذ الحملة الصليبية الرابعة.
وبحسب صايغلي، لم يدخل الإمبراطور المدينة في عربة احتفالية، بل سار على قدميه مصحوبا بأيقونة مريم هوديغيتريا، في مشهد حمل دلالات دينية وسياسية، وأبرز استعادة العاصمة بوصفها انتصارا يتجاوز القوة العسكرية إلى تأكيد شرعية الحكم.
من بوابة احتفالية إلى تحصين دفاعي
مع تراجع القوة السياسية والعسكرية للإمبراطورية البيزنطية، تغيرت وظيفة البوابة، وتقلصت ممراتها الواسعة تدريجيا، حتى غلب عليها الاستخدام الدفاعي بعد أن كانت مدخلا للمواكب الإمبراطورية.
وقال صايغلي إن البوابة تحولت بحلول أواخر القرن الرابع عشر إلى معبر أصغر، تراجعت وظيفته الاحتفالية، فيما كانت أجزاء كبيرة منها مغلقة بالحجارة عند فتح العثمانيين إسطنبول عام 1453.
ومع تغير متطلبات الدفاع عن المدينة، تراجعت الحاجة إلى المدخل الاحتفالي الواسع، وأصبحت البوابة جزءا من منظومة التحصينات التي شهدت تعديلات متعاقبة.
قلعة يدي كوله في العهد العثماني
بعد فتح إسطنبول، أضاف السلطان محمد الفاتح ثلاثة أبراج إلى الأبراج البيزنطية الأربعة القائمة في المنطقة، لتتشكل قلعة يدي كوله، المعروفة باسم "الأبراج السبعة".
وأُغلقت البوابة الذهبية بالكامل، وفقدت وظيفتها مدخلا للمدينة، لتندمج في القلعة التي استُخدمت في فترات مختلفة حصنا وسجنا ومكانا لحفظ الخزانة.
وارتبطت القلعة بأحداث سياسية بارزة في التاريخ العثماني، بينها إعدام الصدر الأعظم جاندارلي خليل باشا في عهد محمد الفاتح، واحتجاز السلطان عثمان الثاني، المعروف باسم عثمان الشاب، قبل مقتله عام 1622.
وأشار صايغلي إلى وجود مسجد داخل القلعة أُنشئ في عهد الفتح، لافتا إلى أعمال ترميم تنفذها بلدية الفاتح.
وتتميز واجهة البوابة الخارجية بالرخام الأبيض والأحجار المقطوعة، فيما أشار صايغلي إلى أن الرخام جُلب من جزر بحر مرمرة، لافتا إلى أوجه تشابه بين الكسوة الرخامية للبوابة وما ظهر لاحقا في عمارة المساجد السلطانية العثمانية.
ورغم إغلاق ممراتها واندماجها في التحصينات العثمانية، لا تزال البوابة الذهبية شاهدا معماريا على تحولات إسطنبول، من عاصمة بيزنطية استقبلت أباطرتها وجيوشها بمواكب النصر، إلى مدينة أعادت توظيف معالمها ضمن منظومة دفاعية جديدة.
وكالات