دراسة تتوصل إلى أن لقاحاً يستخدم للوقاية من مرض السل قد يساعد في حماية الدماغ من تغيرات ترتبط بمرض ألزهايمر والخرف.
توصلت دراسة حديثة إلى أن لقاحاً يستخدم منذ عقود للوقاية من مرض السل قد يساعد في حماية الدماغ من تغيرات ترتبط بمرض ألزهايمر والخرف، من خلال إعادة برمجة استجابة الجهاز المناعي، وتقليل الالتهابات العصبية المزمنة.
وأظهرت الدراسة، التي أجريت على فئران معدلة وراثياً لمحاكاة بعض السمات المرضية للخرف، أن إعطاء لقاح "BCG" ارتبط بانخفاض تراكم بروتينات "تاو" غير الطبيعية في الدماغ، وتحسّن الذاكرة، وتراجع مؤشرات الالتهاب العصبي، مقارنة بفئران لم تتلق اللقاح.
وأوضحت الدراسة التي أجراها باحثون بكلية الطب بجامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة، ونشرتها دورية Science Advances، أن لقاح "BCG" يُصنع من سلالة حية مضعفة من بكتيريا تُستخدم للوقاية من السل، كما يستخدم في العلاج المناعي لبعض حالات "سرطان المثانة غير الغازي للعضلات".
وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، ويليام بيشاي، المدير المشارك لمركز أبحاث السل بجامعة جونز هوبكنز إن النتائج تقدم مؤشرات أولية على أن ما يعرف باسم "المناعة المدربة" قد يؤدي دوراً في التأثير الوقائي المحتمل للقاح.
وتعني "المناعة المدربة" قدرة خلايا الجهاز المناعي الفطري، التي تمثل خط الدفاع الأول ضد الميكروبات، على الاحتفاظ بتغيرات وظيفية بعد التعرض لمحفز معين، بما يسمح لها بالاستجابة بصورة مختلفة لمحفزات لاحقة، حتى عندما لا تكون مرتبطة بالمسبب الأصلي.
ويعتقد الباحثون أن لقاح السل قد يعيد تشكيل نشاط بعض الخلايا المناعية في الجهاز العصبي المركزي، بما يساعدها على التعامل مع التراكمات البروتينية المرتبطة بألزهايمر، ويحد من الاستجابات الالتهابية التي قد تلحق الضرر بالخلايا العصبية.
ولاختبار هذه الفرضية، استخدم الباحثون فئراناً معدلة وراثياً، تظهر لديها تغيرات مرضية مرتبطة بتراكم بروتين "Tau"، وهو أحد البروتينات التي تتجمع بصورة غير طبيعية داخل الخلايا العصبية لدى مرضى ألزهايمر، وتؤدي إلى تكون تشابكات ليفية تعطل وظائف الدماغ.
وقسم الباحثون الفئران إلى مجموعتين، تلقت إحداهما اللقاح في عمر 3 أشهر، بينما تلقت الأخرى محلولاً ملحياً، وشملت التجربة مجموعة مقارنة إضافية من فئران سليمة مماثلة في العمر.
وبعد مرور 8 أو 9 أشهر، أجرى الباحثون سلسلة من الاختبارات لتقييم الذاكرة، والتغيرات الدماغية، ومستويات الالتهاب العصبي، ونشاط الجينات المرتبطة بألزهايمر.
وأظهرت النتائج أن الفئران التي تلقت اللقاح كانت أكثر احتمالاً بنحو 5 مرات لإظهار علامات انخفاض ترسبات بروتين "Tau" في الدماغ مقارنة بالمجموعة الثانية التي لم تتلق اللقاح؛ كما كانت أقل احتمالاً بنحو 4 مرات لإظهار مؤشرات الالتهاب المستمر، ما يشير إلى احتمال أن تكون الخلايا المناعية قد ساعدت في إزالة بعض التشابكات البروتينية، ثم انتقلت إلى حالة من الاستقرار المناعي.
وكشف التحليل الجيني أن الفئران التي لم تتلق اللقاح أظهرت تغيرات في نشاط 716 جيناً مرتبطا بألزهايمر وموت الخلايا والالتهابات العصبية، بينما أعاد اللقاح نشاط جميع هذه الجينات تقريباً إلى مستويات أقرب إلى الطبيعية، باستثناء 9 جينات.
وظهرت في الفئران التي تلقت اللقاح مؤشرات أقل على ضمور الدماغ، وأداءً أفضل في اختبارات التعرف على الأشياء وتذكرها، إلى جانب زيادة فرص البقاء على قيد الحياة مقارنة بالفئران غير المطعمة.
وقال الباحث الرئيسي إن اللقاح يبدو قادراً على تقليل فرط الالتهاب داخل الدماغ، مرجحاً أن يكون ذلك مرتبطاً بإعادة برمجة الخلايا المناعية، لكنه أكد أن الباحثين لا يزالون يدرسون الآليات البيولوجية المسؤولة عن هذه التأثيرات.
وتكتسب النتائج أهمية إضافية لأنها تتوافق مع دراسات رصدية سابقة على البشر، لاحظت انخفاضاً في معدلات الخرف لدى بعض مرضى سرطان المثانة الذين تلقوا لقاح "BCG" ضمن العلاج المناعي.
ووفقاً للدراسات السابقة التي استشهد بها الباحثون، ارتبط هذا العلاج بانخفاض خطر الإصابة بالخرف بنسب تراوحت بين 12 و78% خلال فترات متابعة امتدت من 3 سنوات إلى 15 عاماً.
وربطت أبحاث أخرى بين التطعيم ضد "الحزام الناري" بانخفاض معدل الإصابة بالخرف بنحو 20%، ما يعزز الاهتمام العلمي بدراسة التأثيرات العصبية والمناعية للقاحات خارج نطاق الوقاية من العدوى.
لكن الباحثين شددوا على أن هذا الارتباط لا يثبت وجود علاقة سببية، وأن النتائج الجديدة المستخلصة من التجارب الحيوانية لا تعني ثبوت فاعلية لقاح السل في الوقاية من ألزهايمر لدى البشر.
وقالت الباحثة المشاركة في الدراسة، باربرا سلوشر، أستاذة علم الأعصاب بجامعة جونز هوبكنز إن البحث يمثل نموذجاً للانتقال من ملاحظات مثيرة للاهتمام لدى البشر إلى التجارب المعملية لفهم التفسيرات البيولوجية المحتملة.
وأضافت أن الباحثين لا يزالون بحاجة إلى تحديد التغيرات المناعية المسؤولة عن التأثير الوقائي، والفئات التي قد تستفيد منه، والتوقيت المناسب للتدخل، ومدى إمكانية تحقيق نتائج مماثلة بأمان لدى الأشخاص المعرضين لخطر الخرف.
ويرى الباحثون أن فهم هذه الآليات قد يمهد مستقبلاً لتطوير علاج وقائي أكثر دقة يستهدف مسارات مناعية محددة، بدلاً من الاعتماد على اللقاح نفسه، لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب مزيداً من الدراسات والتجارب السريرية.
المملكة