جارى البحث

جبل الرحمة.. مَعْلم ارتبط بأعظم مشاهد الحج

دقائق القراءة: 5
تاريخ الإنشاء: 10-05-2026 18:55
| آخر تحديث منذ 5 أشهر
جبل الرحمة.. مَعْلم ارتبط بأعظم مشاهد الحج
جبل الرحمة
حفظ

يُجسّد جبل الرحمة في مشعر عرفات أحد أبرز المعالم الإسلامية التي ارتبطت بأعظم مشاهد الحج، إذ يقف عنده ملايين الحجاج في يوم عرفة، في مشهد إيماني مهيب تتجلّى فيه معاني الخشوع والدعاء والتجرد لله تعالى، وسط أجواء روحانية تستحضر وحدة المسلمين من مختلف الأعراق واللغات والثقافات، وهم يتضرعون إلى الله في يوم يُعدّ من أعظم أيام الدنيا.

ويقع جبل الرحمة في الجهة الشرقية من صعيد عرفات، على بُعد (22) كيلومترًا شرق مكة المكرمة، ويُعد من أشهر المعالم الجغرافية والدينية في المشاعر المقدسة، إذ يرتبط في الوعي الإسلامي بوقوف النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع، حين خطب المسلمين وأرسى مبادئ عظيمة شكّلت منهجًا خالدًا في العدل والمساواة وصيانة الحقوق.

ويبلغ ارتفاع جبل الرحمة نحو (65) مترًا عن سطح الأرض المحيطة به، ويتميّز بلونه الداكن وتكوينه الصخري الطبيعي، فيما ينتصب على قمته عمود شاخص أبيض يبلغ ارتفاعه عدة أمتار؛ ليكون علامة ظاهرة للحجاج والزوار من مختلف أنحاء المشعر، ويحيط به عدد من الساحات والممرات التي خضعت خلال السنوات الماضية لمشروعات تطوير وتأهيل، بهدف تنظيم حركة الحشود وتيسير الوصول إليه ضمن منظومة متكاملة من الخدمات التي تنفذها الجهات المعنية لخدمة ضيوف الرحمن.

ويُعد يوم عرفة الركن الأعظم من أركان الحج، إذ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الحج عرفة"، في دلالة واضحة على عظم هذا الموقف ومكانته في شعيرة الحج، ويتوافد الحجاج منذ ساعات الصباح إلى صعيد عرفات، رافعين أكف الضراعة والابتهال، راجين رحمة الله ومغفرته، في مشهد تتوحّد فيه القلوب والألسنة على ذكر الله تعالى.

ويمثل الوقوف بعرفة ذروة الرحلة الإيمانية للحاج، إذ يبدأ الحجاج بالتوافد إلى المشعر منذ فجر التاسع من ذي الحجة، بعد قضائهم يوم التروية في مشعر منى، ليقفوا على صعيد عرفات حتى غروب الشمس، اقتداءً بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي وقف بعرفة حتى غربت الشمس وقال: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف"، في بيان يرسّخ التيسير على الحجاج، وأن الوقوف يتحقق في أي موضع من حدود عرفات.

ورغم الشهرة الواسعة لجبل الرحمة، يؤكد العلماء أن صعود الجبل ليس من واجبات الحج ولا من أركانه، ولم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تخصيص الجبل بعبادة معينة أو الدعاء فوقه، وإنما تُعد عرفة كلها موضعًا للوقوف والدعاء والذكر، وأشار عدد من أهل العلم إلى أهمية التزام الحجاج بالسنة وتجنب الممارسات غير الواردة، حفاظًا على صفاء العبادة وتحقيقًا لمقاصد الحج القائمة على الاتباع واليسر.

ويكتسب جبل الرحمة بُعدًا تاريخيًا متجذرًا في كتب السيرة والرحلات وكتب التاريخ الإسلامي، إذ تناوله عدد من المؤرخين والجغرافيين المسلمين في مؤلفاتهم عند وصف مشاعر الحج وحدود عرفات.

ويُعد كتاب «أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار» لأبي الوليد الأزرقي من أبرز المصادر التاريخية التي وثّقت معالم المشاعر المقدسة، إذ وصف عرفات وحدودها ومعالمها الجغرافية، مشيرًا إلى ارتباطها بمناسك الحج منذ صدر الإسلام.

وتناول الرحالة والمؤرخون مشهد الوقوف بعرفة بوصفه من أعظم مشاهد الاجتماع الإسلامي عبر العصور، إذ وصف ابن جبير الأندلسي، المتوفى نحو سنة (614هـ)، في رحلته الشهيرة «تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار» مشهد الحجيج في عرفات بقوله: «وقف الناس خاشعين باكين، وإلى الله عز وجل في الرحمة متضرعين، والتكبير قد علا، وضجيج الناس بالدعاء قد ارتفع، فما رؤي يوم أكثر مدامع، ولا قلوبًا خواشع، ولا أعناقًا لهيبة الله خوانع خواضع من ذلك اليوم، فما زال الناس على تلك الحالة والشمس تلفح وجوههم، إلى أن سقط قرصها وتمكن وقت الغروب».

وتحدث عدد من المؤرخين عن تكامل المشهد الإيماني والإنساني في ذلك اليوم، حيث تتلاشى الفوارق بين البشر، ويلبس الجميع لباس الإحرام ذاته، في صورة تجسد معاني المساواة والتجرد والوحدة.

ويحمل جبل الرحمة رمزية روحانية كبيرة لدى المسلمين، نظرًا لارتباطه بخطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع، التي أرسى خلالها قواعد عظيمة في حفظ الدماء والأموال والأعراض، وأكد فيها الحقوق ومبادئ الأخوة الإسلامية، وتوصيته بالنساء خيرًا وهي مضامين شكّلت منهجًا إنسانيًا خالدًا سبق كثيرًا من المواثيق المعاصرة في إرساء قيم العدالة والكرامة الإنسانية.

وفي العصر الحديث، حظي مشعر عرفات وجبل الرحمة بعناية كبيرة من حكومة المملكة، ضمن منظومة متكاملة من المشروعات التطويرية والخدمية التي تستهدف تسهيل حركة الحجاج ورفع جودة الخدمات المقدمة لهم، بما يواكب الأعداد المتزايدة لقاصدي بيت الله الحرام، ويعزز سلامتهم وراحتهم أثناء أداء المناسك.

وشهدت منطقة جبل الرحمة تنفيذ أعمال تطوير للبنية التحتية شملت تحسين الطرق المؤدية إلى الجبل، وإنشاء مسارات للمشاة، وتوفير اللوحات الإرشادية متعددة اللغات، إلى جانب دعم المنطقة بأنظمة إنارة حديثة وخدمات ميدانية متكاملة، بما يسهم في تنظيم الحركة والحد من الازدحام، خصوصًا في أوقات الذروة خلال يوم عرفة.

وسخّرت الجهات المعنية منظومات تشغيلية متقدمة وتقنيات ذكية لإدارة الحشود في مشعر عرفات، ضمن خطط متكاملة تعتمد على الرصد الميداني والتحليل اللحظي للحركة، بما يضمن انسيابية تنقل الحجاج وسرعة الاستجابة للحالات الطارئة، في وقت تعمل فيه مختلف القطاعات الأمنية والصحية والخدمية على مدار الساعة لخدمة ضيوف الرحمن.

ويشهد جبل الرحمة حضورًا واسعًا لدى الزوار والمعتمرين على مدار العام، إذ يحرص كثير منهم على زيارة المشعر والتعرف على معالمه التاريخية والدينية، ضمن تجربة تثري معرفتهم بسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومشاهد الحج الكبرى، في ظل ما تشهده مكة المكرمة والمشاعر المقدسة من تطور مستمر في الخدمات والبنية التحتية والمشروعات النوعية.

ويؤكد مختصون في التاريخ الإسلامي والجغرافيا أن جبل الرحمة يُعد من أبرز الشواهد المكانية المرتبطة بالحج، إذ حافظ على حضوره في الذاكرة الإسلامية عبر القرون، بوصفه مَعْلمًا يجتمع عنده المسلمون في مشهد سنوي يتكرر منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، مستحضرين قيم التوبة والرحمة والمغفرة.

ويظل مشهد الحجيج على صعيد عرفات من أعظم المشاهد التي تعبّر عن وحدة الأمة الإسلامية، إذ تتجه القلوب في وقت واحد إلى الله تعالى، في يوم تغمره السكينة والخشوع، وترتفع فيه الدعوات من ملايين البشر بمختلف لغاتهم وألوانهم، طلبًا للرحمة والمغفرة والقبول.

وفي كل عام، يعيد جبل الرحمة تجسيد هذه الصورة الإيمانية الفريدة، بوصفه شاهدًا على أعظم تجمع إسلامي سنوي، ومَعْلمًا ارتبط في وجدان المسلمين بمشهد الدعاء والتوبة والرجاء، ليبقى أحد أبرز الرموز الروحية والدينية في المشاعر المقدسة، وعنوانًا لمعاني الرحمة والوحدة والخضوع لله تعالى.

واس

أخبار ذات صلة

موسم الحج
وفاة حاج أردني في مكة
أكد الناطق الإعلامي باسم وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية محمد الطوالبة، الأربعاء، وفاة حاج أردني من حجاج البعثة الأردنية. وقال الطوالبة لـ"المملكة" إن الحاج من مواليد عام 1953، شعر بالتعب والإرهاق، فتوجه إلى البعثة الطبية الأردنية، التي أجرت له الفحوصات اللازمة، قبل تحويله إلى المستشفى، حيث وافته المنية هناك. وأضاف أن الوزارة تواصلت مع ذوي الحاج في الأردن، وكذلك مع زوجته المرافقة له في الحج، لإبلاغهم بوفاته، وتقديم واجب العزاء. المملكة
موسم الحج
"تطوير معان" اختتام موسم تفويج الحجاج من واحة الحجاج "بنجاح استثنائي"
أعلن الرئيس التنفيذي لشركة تطوير معان، محمد فواز أبو تايه، عن إسدال الستار رسميا على موسم تفويج حجاج بيت الله الحرام من "واحة الحجاج" إحدى محاور الشركة الرئيسية في معان لهذا العام، مؤكداً أن الواحة سجلت نجاحا استثنائيا وموسما غير مسبوق من حيث دقة التنظيم، وتكامل الخدمات، وإبراز الهوية الثقافية والمجتمعية للمدينة. وعبّر أبو تايه عن فخره واعتزازه بالمنظومة المتكاملة التي عملت على مدار الساعة، مؤكدا أن هذا الموسم تكلل بنجاح باهر؛ حيث تشرفت الشركة باستقبال وتوديع ما يقارب 9,200 حاج وحاجة، تم تفويجهم عبر 235 حافلة، ضمن بيئة آمنة ومجهزة بأعلى معايير الراحة التي تليق بمكانة هذه الرحلة الإيمانية العظيمة. وأشار أبو تايه إلى أن ما ميّز هذا الموسم وجعله نقطة تحول في مسيرة الواحة، هو النقلة النوعية في مستوى الفعاليات المرافقة، مشيرا إلى أن الجهود هذا العام لم تقتصر على الجانب اللوجستي فحسب، بل تم استحداث لأول مرة مبادرات نوعية تركت أثراً ملموساً؛ حيث أقيم "البازار الخيري" الذي شكل منصة حقيقية لدعم وتمكين أبناء وبنات المجتمع المحلي وعرض منتجاتهم أمام آلاف الزوار، كما كانت فعالية "الحكواتي" حا
موسم الحج
البعثة الإعلامية الأردنية للحج: تفويج الحجاج إلى مكة وفق خطة مدروسة
أكد رئيس البعثة الإعلامية الأردنية للحج راشد العساف، الاثنين، أن البعثة الإعلامية الأردنية وصلت إلى المدينة المنورة قبل يومين، مشيرا إلى أن الأجواء كانت إيجابية وجيدة منذ انطلاق الرحلة من عمّان مرورا بمنفذ حالة عمار في منطقة تبوك، ثم خيبر وصولا إلى المدينة المنورة. وأوضح العساف خلال حديثه لـ "المملكة" أن البعثة الإعلامية بدأت نشاطها منذ انطلاقها من الأردن، حيث تابعت مختلف مراحل الرحلة حتى الوصول، واطلعت على واقع الحجاج الأردنيين في مواقعهم. وبين أن الوضع العام للمساكن الخاصة بالبعثة الإعلامية وعموم البعثة الأردنية كان في المنطقة المركزية بالمدينة المنورة، لافتا إلى أن البعثة الأردنية موزعة على 11 فندقا، بالإضافة إلى عدد من فنادق الخمس نجوم، وتستوعب هذه الفنادق نحو 12,500 حاج أردني، إلى جانب حوالي 4,500 حاج من فلسطينيي الـ 48. وأشار إلى أن عملية تفويج الحجاج الأردنيين إلى مكة المكرمة بدأت صباح الاثنين، فيما تم الأحد تفويج البعثة الطبية من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، مؤكدا أن وزارة الأوقاف تواصل تنفيذ خطة تفويج الحجاج الأردنيين وفلسطينيي الـ 48 وفق جدول زمني ومكاني مدروس لض
موسم الحج
معبر "حالة عمار".. خدمات متكاملة تعزز طمأنينة الحجاج لأداء مناسكهم بيسر
وسط حفاوة استقبال ورعاية متواصلة، يقدم الجانب السعودي في مركز حدود حالة عمار خدمات لوجستية وطبية وصحية متكاملة لضيوف الرحمن منذ لحظة وصولهم، بما يعكس مستوى العناية والاهتمام بالحجاج ويعزز طمأنينتهم خلال رحلتهم إلى الديار المقدسة. وقدم العاملون في المنفذ شرحا لموفد "المملكة" والوفد المرافق عن طبيعة الخدمات المقدمة للحجاج، وآلية التعامل مع الحالات الصحية والطارئة، إضافة إلى الجهود المبذولة لتوفير أفضل سبل الراحة والرعاية لضيوف الرحمن. وتعمل كوادر وزارة الصحة السعودية وهيئة الهلال الأحمر السعودي والجهات المختصة على مدار الساعة لتقديم الرعاية الطبية اللازمة والتعامل الفوري مع مختلف الحالات الصحية، عبر فرق طبية وإسعافية مجهزة بأحدث المعدات وسيارات الإسعاف. كما يوفر المنفذ خدمات لوجستية متكاملة تشمل تسهيل إجراءات دخول الحجاج وتنظيم حركة الحافلات وتقديم مختلف أشكال الدعم والمساندة، بما يسهم في انسيابية الحركة وراحة ضيوف الرحمن. وتتابع الفرق المختصة الحالة الصحية للحجاج بشكل مستمر، مع توفير الفحوصات والعلاجات والخدمات الإسعافية اللازمة، لضمان سلامتهم وراحتهم منذ دخولهم المنفذ وحتى