يواجه سكان مدينة تعز اليمنية قصفا مكثفا ونقصا في الإمدادات الأساسية، مع تشديد الحوثيين قبضتهم على المناطق المحيطة بالمدينة وقطع طريق رئيسي يربطها بمدينة عدن، في وقت تتواصل فيه المواجهات بين الجماعة والقوات اليمنية.
وتفاقمت الأوضاع خلال الأيام القليلة الماضية، مع تعذر دخول السكان والإمدادات الأساسية والمساعدات الإنسانية إلى المدينة، وفق المنظمة الدولية للهجرة، التي حذرت من تدهور الوضع وارتفاع الأسعار، فيما أفادت مصادر حكومية بفرار نحو 80 ألف شخص من المدينة خلال أحدث الاشتباكات.
وتعز، ثالث أكبر مدن اليمن، إحدى أبرز جبهات الصراع بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليا، بعدما تجددت المواجهات الشهر الماضي على خلفية التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج.
قصف واشتباكات حول المدينة
وأفاد سكان بتعرض تعز لقصف مكثف مساء الاثنين، فيما حمّلت مصادر حكومية الحوثيين المسؤولية.
ووصف أحمد محمود، أحد سكان المدينة، ليلة القصف بأنها "ليلة من الرعب"، مشيرا إلى أن الهدوء الذي ساد صباح الثلاثاء لم يبدد القلق، وأن شوارع الحي خلت من الأطفال الذين اعتادوا اللعب فيها يوميا.
وقال محمود إن السكان يعيشون أجواء رعب غير مسبوقة، فيما أفاد ياسين مقبل، وهو من سكان المدينة، بأن القصف كان واسع النطاق، مضيفا أن ابنه بات خائفا جدا من الخروج.
وفي محيط تعز، أفادت مصادر عسكرية باندلاع اشتباكات في منطقة الضباب، الواقعة على بعد نحو 10 كيلومترات من المدينة، وعلى جبل صبر المطل عليها من الجنوب، مشيرة إلى أن القوات الحكومية التي انسحبت من المناطق المحيطة أعادت تنظيم صفوفها داخل المدينة.
وذكرت مصادر عسكرية أن الحوثيين سيطروا الاثنين على مديرية المسراخ، الواقعة على بعد نحو 25 كيلومترا جنوب تعز.
وفي المقابل، أعلنت القوات الحكومية، الثلاثاء، أن طائرات حربية يمنية استهدفت مقاتلي الحوثيين ومعداتهم في منطقتي الضباب والمسراخ.
وكان الحوثيون قد قطعوا الأسبوع الماضي طريقا رئيسيا يربط تعز بعدن، ما أدى إلى محاصرة القوات الحكومية، في وقت أطلقت فيه الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا حملة لاستعادة المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، وتمكنت خلالها من استعادة أراض قرب مضيق باب المندب، أحد الممرات الحيوية للتجارة البحرية العالمية.
أسعار مرتفعة ونقص في الغذاء والمياه
ولا تقتصر تداعيات التصعيد على القصف والاشتباكات، إذ يواجه سكان تعز نقصا في المواد الأساسية وارتفاعا حادا في أسعار السلع المتاحة، مع تراجع القدرة على إيصال الإمدادات إلى المدينة.
وقال نشوان سعد، أحد السكان، إن عائلات باتت عاجزة عن توفير قوت يومها، مضيفا: "نساء يبكين لا يجدن ما يطعمن أولادهن". وأشار إلى ارتفاع سعر كيس القمح بنحو 40%.
من جهتها، قالت كاتيا جورِك، المنسقة الميدانية للبرامج في المنظمة الدولية للهجرة والمقيمة في عدن، إن الوصول إلى تعز "مقيد بشكل كبير"، موضحة أن سعر زجاجة مياه صغيرة بلغ أربعة دولارات، وأن أسعار السلع الأساسية التي لا تزال متوافرة ارتفعت بصورة كبيرة.
وأضافت أن السكان يتهافتون على شراء المواد الأساسية وتخزينها، تحسبا لاستمرار الصراع وتكرار انقطاع الإمدادات، مشيرة إلى أن عدد سكان المدينة يقدر بنحو 600 ألف نسمة.
وحذر عبد الرحمن القليعة، مدير عام مكتب الصناعة والتجارة في محافظة تعز، من تفاقم حالة الذعر، داعيا المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية ومنظمات المجتمع المدني إلى التحرك لتلبية احتياجات السكان والعمل على رفع الحصار عن المحافظة.
أهمية استراتيجية وضغوط متزايدة
ويرى المحلل السياسي وخبير شؤون الصراعات محمد القاضي أن القصف المكثف الذي شهدته تعز مساء الاثنين، إلى جانب الحصار المفروض عليها، يعكسان تصاعد الضغط على المدينة.
وأشار القاضي إلى الأهمية الاستراتيجية لمحافظة تعز، لامتداد ريفها باتجاه الساحل وقربها من باب المندب، لافتا إلى أنها شكلت معقلا للمقاومة في مواجهة الحوثيين وأيديولوجيتهم.
ومن شأن سيطرة الحوثيين على مدينة تعز أن تمثل مكسبا كبيرا للجماعة، بعد نحو 12 عاما على اندلاع الحرب، وفق ما يورده التقرير، كما ستجعل مدينة مأرب الغنية بالنفط آخر مدينة تحت سيطرة الحكومة في شمال اليمن.
واندلعت الحرب في اليمن عام 2014، عندما سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء، ما دفع الحكومة إلى التوجه جنوبا.
وأفضت الحرب إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، وشهدت سنوات من القتال والغارات الجوية التي شنها التحالف بقيادة السعودية.
وتوسطت الأمم المتحدة في وقف لإطلاق النار عام 2022، صمد حتى تجدد المواجهات خلال العام الحالي.
المملكة + رويترز