توثق محطة "شيانشيوانزهي" الأثرية في مقاطعة قانسو الصينية نظام البريد والتواصل على طريق الحرير خلال عهد أسرة هان، منذ القرن الثاني قبل الميلاد. ورصدت "المملكة" خلال زيارة للموقع بقايا المحطة التي اكتشف فيها أكثر من 35 ألف شريحة خشبية وخيزرانية، بينها 23 ألفا تحمل كتابات. وأدرجت اليونسكو الموقع ضمن التراث العالمي عام 2014.
في منطقة صحراوية تقع بين مدينتي دونهوانغ وقواتشو في مقاطعة قانسو الصينية، تقف بقايا محطة بريدية تاريخية شاهدة على مرحلة مبكرة من تنظيم حركة الاتصالات والتنقل على طريق الحرير، حين لم تكن هذه الطرق مجرد مسارات للقوافل التجارية، بل شبكة واسعة لنقل الرسائل واستقبال الوفود والمسؤولين والمسافرين.
وتحمل المحطة، التي زارها وفد صحفي يمثل دولا عربية عدة، منها الأردن، اسم "شيانشيوانزهي"، وقد أنشأتها الدولة الصينية خلال عهد أسرة هان، لتؤدي دورا يتجاوز وظيفة الاستراحة العابرة؛ إذ كانت مؤسسة رسمية تقدم خدمات البريد والإقامة والتموين، وتسهم في تنظيم حركة الأشخاص والمعلومات على أحد أهم الممرات التاريخية التي ربطت وسط الصين بمناطقها الغربية.
وخلال زيارة ميدانية للموقع، رصدت "المملكة" بقايا المنشآت الأثرية التي تكشف طبيعة هذه المحطة ووظائفها، فيما تبرز المكتشفات التي عثر عليها فيها أهمية المكان بوصفه مصدرا تاريخيا لفهم أنظمة الإدارة والاتصال والحياة اليومية على طريق الحرير.
ورافقت الدليلة السياحية الصينية داي فانغ الوفد الصحفي خلال الجولة السياحية، وعرضت تفاصيل المكان وأهميته التاريخية.
ولم تكن محطة "شيانشيوانزهي" مجرد مكان لاستراحة المسافرين، بل كانت جزءا من منظومة رسمية أنشأتها الدولة لتنظيم حركة البريد والمعلومات والوفود على امتداد الممرات التجارية والاستراتيجية.
وبحسب الدليلة السياحية فانغ، فإن المعلومات التاريخية والأثرية تشير إلى أن المحطة أنشئت خلال عهد الإمبراطور "وو" من أسرة هان الغربية، في القرن الثاني قبل الميلاد، وكانت تتولى نقل المراسلات والوثائق الرسمية والأخبار العسكرية، واستقبال المسؤولين والرسل والوفود القادمة من مناطق مختلفة، إلى جانب توفير الطعام والمأوى والخدمات اللازمة للمسافرين.
وكانت المحطة تؤدي بذلك وظيفة إدارية واتصالية مهمة؛ إذ ساعدت على تسريع انتقال الأوامر والمعلومات بين المراكز الحكومية والمناطق الحدودية، وضمان استمرار الحركة على طرق التجارة والتنقل.
وتقع المحطة في المنطقة الفاصلة بين دونهوانغ وقواتشو، عند الحافة الشمالية لجبل هويانشان، ضمن البيئة الصحراوية لممر خهشي، وعلى ارتفاع يقارب 1700 متر فوق سطح البحر.
وتشير بيانات الموقع إلى أن مساحة المنطقة الأثرية تبلغ نحو 22,500 متر مربع، فيما يتكون الجزء الرئيسي منها من منشأة محصنة مربعة الشكل، تضم مباني وغرفا داخلية، إلى جانب منشآت ملحقة استخدمت لأغراض التخزين وإيواء المسافرين والخيول.
وتكمن القيمة الأبرز لمحطة شيانشيوانزهي في المكتشفات الأثرية التي أسفرت عنها أعمال التنقيب في الموقع، والتي وفرت مادة تاريخية مهمة لفهم تفاصيل الحياة والإدارة في عهد أسرة هان.
فخلال أعمال التنقيب التي نفذت في الموقع، عثر على أكثر من 35 ألف قطعة من الشرائح الخشبية والخيزرانية، من بينها نحو 23 ألف قطعة تحمل كتابات، فضلا عن وثائق ورقية وقطع من الحرير ومنسوجات وأدوات ومقتنيات أخرى.
وتكتسب هذه الوثائق أهميتها من أنها لا تقتصر على تسجيل القرارات والأوامر الرسمية، بل تقدم تفاصيل عن آليات العمل داخل المحطة، وتنظيم البريد، وحركة المسافرين والوفود، وتكاليف الاستضافة والإقامة، فضلا عن جوانب من الحياة اليومية للعاملين والجنود والمسؤولين.
كما تكشف سجلات أخرى عن تفاصيل استقبال الوفود وأعداد المرافقين وتوفير احتياجاتهم، بما في ذلك الطعام والإقامة، الأمر الذي يوضح حجم التنظيم اللوجستي الذي كانت تتطلبه حركة التنقل عبر طريق الحرير.
ومن بين الجوانب اللافتة في المكتشفات الأثرية وجود بقايا ورقية تعود إلى فترة أسرة هان الغربية، بينها قطع تحمل كتابات، وهو ما يقدم أدلة مهمة على استخدام الورق في تدوين المعلومات والوثائق خلال فترة مبكرة من التاريخ الصيني.
وتعد محطة شيانشيوانزهي جزءا من ملف "طرق الحرير: شبكة طرق ممر تشانغآن – تيان شان"، الذي أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) على قائمة التراث العالمي عام 2014.
ويضم ملف التراث العالمي مواقع تاريخية موزعة على الصين وكازاخستان وقيرغيزستان، توثق مراحل تطور طرق التجارة والاتصال والتبادل الثقافي بين مناطق آسيا المختلفة.
وتنبع أهمية إدراج المحطة من كونها تقدم دليلا ماديا على طبيعة المؤسسات التي دعمت حركة طريق الحرير، وتكشف من خلال آثارها ووثائقها عن نظام البريد الرسمي وآليات الإدارة والخدمات التي كانت تقدم للمسافرين والوفود.
كما تتيح المكتشفات الأثرية مواصلة البحث في تاريخ الاتصالات والحدود والعلاقات بين المناطق المختلفة، وتوفر سجلا استثنائيا لتفاصيل الحياة اليومية خلال حقبة تاريخية بعيدة.
المملكة