لم تعد المنافسة العالمية على الذكاء الاصطناعي تقتصر على امتلاك الرقائق المتقدمة والحواسيب الأقوى، بل باتت تعتمد بدرجة متزايدة على القدرة على استقطاب الباحثين المتخصصين والاحتفاظ بهم، في ظل تنافس محتدم بين الولايات المتحدة والصين على تطوير النماذج والتقنيات المتقدمة.
وتظهر بيانات دراسة أعدها داميان ما وبيني يانغ، ونشرتها مؤسسة "كارنيغي الصين" في 23 أيلول 2026، تغيرا في التوزيع الجغرافي لنخبة الباحثين في الذكاء الاصطناعي؛ إذ ارتفعت حصة العاملين منهم في مؤسسات صينية من 27% عام 2022 إلى 41% عام 2025، مقابل تراجع حصة العاملين في مؤسسات أميركية من 46% إلى 34%.
وتستند الدراسة إلى عينة من الباحثين الذين نشروا أبحاثا في مؤتمر "نظم معالجة المعلومات العصبية" (NeurIPS)، أحد المؤتمرات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي. ولا تعني نتائجها أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة في جميع جوانب هذا المجال، لكنها تشير إلى تحول في وجهة عمل الباحثين الذين يسهمون في تطوير الأبحاث المتقدمة.
الصين تنتج الكفاءات والولايات المتحدة تستقطبها
تقول بيني يانغ، المشاركة في إعداد الدراسة وباحثة ما بعد الدكتوراه في معهد الصين بجامعة ألبرتا الكندية، إن الصين أصبحت، وفق تقييمها، أكبر مصدر للكفاءات المتميزة في الذكاء الاصطناعي، فيما تواصل الولايات المتحدة جذب نسبة كبيرة من هذه المواهب، ما يجعل البلدين في موقع متقدم على بقية دول العالم من حيث إنتاج الكفاءات واستقطابها.
وتوضح يانغ أن الصين أصبحت أكثر قدرة على الاحتفاظ بكفاءاتها المحلية، لكن نحو نصف المواهب الصينية التي تغادر البلاد ينتهي بها المطاف في الولايات المتحدة. ويعكس ذلك اختلاف دور البلدين في سوق المواهب العالمية؛ فالصين مصدر رئيسي للكفاءات المتخصصة، فيما تمثل الولايات المتحدة وجهة مهمة للباحثين الراغبين في العمل ضمن مؤسساتها.
وتظهر المنافسة أيضا في تطوير النماذج المتقدمة، إذ تتوالى إصدارات المختبرات الأميركية والصينية بفواصل زمنية قصيرة نسبيا، في سباق يعتمد على الباحثين الذين يطورون النماذج ويدربونها ويحسنون قدراتها.
وترى يانغ أن المنافسة على النماذج الرائدة تتركز أساسا بين الولايات المتحدة والصين، نظرا إلى امتلاكهما تجمعات كبيرة من المواهب البحثية المتخصصة.
الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بكفاءات صينية
رغم ارتفاع حصة الباحثين العاملين في مؤسسات صينية، لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على الاحتفاظ بالكفاءات التي استقطبتها. وتوضح دراسة أخرى نشرتها مؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي" في كانون الأول 2025 أن 87 من أصل 100 باحث من أصول صينية كانوا يعملون في مؤسسات أميركية عام 2019 ظلوا يعملون في مؤسسات أميركية بحلول عام 2025، فيما انتقل 10 إلى مؤسسات صينية، وثلاثة إلى مؤسسات في دول أخرى.
وتشير هذه النتائج إلى استمرار قدرة الولايات المتحدة على الاحتفاظ بجزء كبير من الباحثين المشمولين بالدراسة، لكنها لا تمثل جميع الباحثين الدوليين أو الكفاءات الصينية، إذ اقتصرت على عينة محددة كانت تعمل في مؤسسات أميركية عند بدء التتبع.
ويرى جاكوب فيلدغويز، كبير محللي أبحاث البيانات في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورج تاون الأميركية، أن تزايد نسبة الباحثين من أصول صينية الذين يختارون البقاء في الصين أو العودة إليها يمثل تحولا مهما في توزيع المواهب العلمية والتقنية، لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
وتكشف الدراستان عن جانبين متكاملين للمنافسة؛ إذ ترصد إحداهما تغير مواقع عمل عينة من الباحثين الذين ينشرون أبحاثا متقدمة، فيما تتتبع الأخرى المسارات المهنية لمجموعة من الباحثين من أصول صينية كانوا يعملون في الولايات المتحدة. ولا تقيس أي منهما بمفردها مجمل حركة المواهب العالمية.
قيود الهجرة تؤثر في استقطاب الباحثين
لا تتحدد وجهة الباحثين بالفرص العلمية والموارد التقنية وحدها، إذ تؤثر السياسات الحكومية والعلاقات الدولية أيضا في قراراتهم. ويقول فيلدغويز إن التوترات بين الولايات المتحدة والصين قد تثني الباحثين الصينيين المتخصصين في الذكاء الاصطناعي عن العمل في الولايات المتحدة، كما قد تدفع بعض الطلاب الصينيين إلى اختيار وجهات أخرى للدراسة.
ويضيف أن القيود الأميركية على الهجرة تجعل إقامة الكفاءات الدولية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وعملها في البلاد أكثر صعوبة، ما قد يحد من قدرتها على استقطاب هذه المواهب.
وتبرز أهمية هذه القيود في ضوء دور الجامعات الأميركية في إعداد الباحثين، إذ تلقى عدد من العاملين في شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية تدريبهم عبر برامج الدكتوراه في تلك الجامعات.
ويستشهد فيلدغويز بدراسة استقصائية أجراها مع زملائه عام 2020 بعنوان "مسارات الهجرة وخطط الكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي"، شملت خريجين حديثين من برامج متخصصة في جامعات أميركية رائدة، ووجدت أن نحو ثلث المشاركين الذين غادروا البلاد اعتبروا الهجرة عاملا رئيسيا في قرارهم.
ومع ذلك، لا تزال الإنجازات التقنية التي تحققها شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية، إلى جانب توافر قدرات حاسوبية كبيرة لديها، من العوامل التي تجعل الولايات المتحدة وجهة جاذبة للباحثين من مختلف أنحاء العالم.
الرواتب وحدها لا تحسم المنافسة
إلى جانب السياسات والقيود على الهجرة، تتجاوز عوامل جذب الباحثين قيمة الرواتب. وترى يانغ أن التعويضات المالية لم تعد العامل الأكثر حسما في تحديد وجهة كبار الباحثين في الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن الرواتب لدى شركات التكنولوجيا الكبرى في مدن مثل شنتشن وسنغافورة ووادي السيليكون أصبحت متقاربة إلى حد كبير.
وبحسب يانغ، تزداد أهمية بيئة العمل التي تقدر البحث المتقدم، وتمنح الباحثين الاستقلال الفكري والحرية اللازمة لتجاوز حدود التقنية القائمة. فالكفاءات المتخصصة، كما توضح، تمتلك مستويات عالية من التدريب، ويسعى كثير من أفرادها إلى إنجاز أعمال ذات معنى وأثر يتجاوز المكاسب المالية.
وبذلك، لا يقتصر التنافس على تقديم عروض مالية مرتفعة، بل يشمل توفير بيئة تتيح للباحثين تطوير أفكارهم والعمل على مسائل علمية متقدمة، مع مساحة للاستقلالية والتجريب وفرص مهنية طويلة الأمد.
تباطؤ حركة المواهب عبر الحدود
لا تقتصر المنافسة على الولايات المتحدة والصين، بل تجري في سوق عالمية تتغير فيها أنماط انتقال أصحاب المهارات العالية بين الدول.
ويرصد تقرير لمجموعة بوسطن الاستشارية، نُشر في حزيران 2026، تراجعا في انتقال المهنيين ذوي المهارات العالية عبر الحدود خلال عام 2025، إذ انخفض عددهم من 3.7 ملايين عام 2024 إلى 3.3 ملايين عام 2025، بتراجع نسبته 11.6%.
وكان الانخفاض أكبر بين بعض الفئات المتخصصة؛ إذ تراجعت حركة العاملين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات بنسبة 13%، ومواهب الذكاء الاصطناعي بنسبة 12%، والباحثين بنسبة 19%.
وتشمل هذه الأرقام المهنيين ذوي المهارات العالية عموما، ولا تقتصر على الباحثين في الذكاء الاصطناعي، كما أنها لا تمثل مقارنة مباشرة بين الولايات المتحدة والصين، لكنها توضح أن المنافسة على الكفاءات تجري في وقت تتراجع فيه حركة انتقال أصحاب المهارات العالية عبر الحدود.
ومع احتدام السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي، لا يتحدد موقع الدول بقدرتها على تدريب الكفاءات أو استقطاب الباحثين المتميزين فحسب، بل أيضا بقدرتها على الاحتفاظ بهم وتوفير الموارد والفرص وبيئات العمل التي تساعدهم على مواصلة البحث والابتكار.
المملكة + وكالات