جارى البحث

تحقيق لـ"المملكة" يكشف عن وجود ألعاب في الأردن مصنوعة من نفايات إلكترونية

,
حنان خندقجي
| دقائق القراءة: 6
تاريخ الإنشاء: 20-01-2024 18:58
| آخر تحديث منذ سنتين
حفظ

قبل سنوات، عملت أم تيسير على توفير مساحة آمنة لأطفالها داخل المنزل، من خلال فصل مقتنياتهم عن باقي محتويات المنزل، ووضعها داخل بيت بلاستيكي اقتنته من سوق شعبي مقابل مبلغ زهيد.

بعد أيام لاحظت أم تيسير (40 عاما) رائحة نفاذة تنبعث من الغرفة، وهي أشبه برائحة البلاستيك، فما كان منها إلا جمع الألعاب البلاستيكية وغسلها على أمل التخلص من رائحتها، لكن بعد ساعات لاحظت أن الرائحة لا تزال عالقة.

تقول أم تيسير: "كانت شكوك تراودني أن هذه الألعاب غير آمنة على أطفالي، فالرائحة المزعجة سكنت معهم داخل الغرفة التي ينامون بها، فقررت حينها أن أحمل جميع الألعاب البلاستيكية لأتخلص منها خارج المنزل، وحاولت استبدالها بألعاب خشبية".

شكوك أم تيسير راودت قبل سنتين باحثين في شبكة ipen التي تعمل منذ تأسيسها على تعزيز السياسات العالمية والوطنية المتعلقة بالمواد الكيميائية والنفايات، فعملت على إطلاق دراسة عالمية عشرات الجمعيات حول العالم، بقصد البحث عن وجود مواد كيميائية سامة في ألعاب أطفال.

تقول منسقة الشبكة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، سامية الغربي، إن "الهدف الرئيس من عمل الشبكة الوصول إلى عالم صحي، لا يتم إنتاج المواد الكيميائية به بطريقة خاطئة، أو استخدامها بطرق تضر بصحة الإنسان والبيئة. نحن نسعى للوصول إلى مستقبل خال من السموم للجميع".

يكشف هذا التحقيق الاستقصائي لـ "المملكة" عن انتشار ألعاب أطفال بلاستيكية مقلدة، وأدوات مطبخ، ومنتجات استهلاكية أخرى، صنعت من نفايات إلكترونية ومواد منتهية الصلاحية دون مراعاة الاشتراطات الصحية والبيئية أو حتى القوانين الدولية.

عام 2022، عُرض على عروب الرفاعي، صاحبة جمعية أيادي للبيئة والتنمية المستدامة، المشاركة في دراسة عالمية لتقييم إذا ما كانت مثبطات "اللهب المبرووم" الموجودة في النفايات الإلكترونية وهي "مواد كيميائية سامة"، يتم نقلها إلى منتجات استهلاكية جديدة؛ بسبب إعادة تدوير البلاستيك بدلا من إتلافه في ظروف آمنة.

تقول الرفاعي: "تخضع عملية اختيار العينات لمعايير مخبرية دقيقة، ومواصفات محددة تصلنا من مختبرات الأرنيكا في التشيك، فكانت المتطلبات البحث عن ألعاب سوداء اللون، ذات رائحة نفاذة وهي رائحة البلاستيك المتعارف عليها، إضافة لزهد ثمنها، أي أنه لم يتم معالجتها بطريقة علمية صحيحة للتخلص من النفايات الأخرى قبل إنتاجها على هيئة منتج جديد".

"لم تكن هذه الدراسة غريبة، أو غير مألوفة في كتب العلم، فما وجدناه خلال بحثنا، العشرات من الدراسات التي تؤكد وجود متبقيات مواد كيميائية داخل ألعاب الأطفال" هذا ما يؤكده مساعد المدير العام لشؤون المرضى في مؤسسة ومركز الحسين للسرطان منذر الحوارات. ويضيف: "هناك الكثير من الدراسات التي نشرت على مدار السنوات الماضية تتحدث عن مضار البلاستيك المعاد تدويره من نفايات إلكترونية حول العالم، وهي تلقي الضوء على منطقة مهمة، وخطيرة، وهي ألعاب أطفالنا".

"داخل إحدى المختبرات الجامعية في مدينة براغ، يعمل مختبر جمعية الأرنيكا، وهو مختبر معتمد من الجهات الرسمية، يقوم بإجراء اختبارات مختلفة للسلع الاستهلاكية، وكذلك العينات البيئية للملوثات العضوية الثابتة والملوثات البيئية الأخرى"، وفق ما قالته لـ "المملكة" الباحثة العالمية في الشبكة الدولية للقضاء على الملوثات جيتكا ستراكوفا.

وتضيف: "كانت مختلف المنظمات المشاركة في الشبكة الدولية للقضاء على الملوثات تبحث في أسواقها عن ألعاب بلاستيكية صلبة مصنوعة من البلاستيك الأسود، لأننا كنا نحاول تحديد المواد البلاستيكية التي تأتي من الإلكترونيات المعاد تدويرها فحسب، ولنتأكد من خلوها من الملوثات العضوية الثابتة".

"تعرف الملوثات العضوية الثابتة على أنها عبارة عن مواد كيميائية سامة، وهي تختلف عن باقي الكيميائيات بثلاث صفات، فهي تراكمية، أي أنها تتراكم في جسم الإنسان، وثابتة، فهي لا تتحلل بسهولة في البيئة، وقد تبقى لعقود من الزمن، وهي أيضا متنقلة، تنتقل مع الطيور المهاجرة، وعبر الهواء، وحتى التربة، وفي بعض الأحيان تنتقل في المنتجات الزراعية وتدخل في السلسلة الغذائية للإنسان" على ما تقوله الرفاعي.

المحامية المتخصصة في القضايا البيئة، إسراء الترك، تقول "توجد هذه الملوثات بنسب كبيرة في الأجهزة الكهربائية، والإلكترونيات، والمركبات المتنقلة، وهي تهدف إلى تثبيط عمليات الاشتعال، لأنها تكون على تماس مباشر مع الوقود والكهرباء، لذلك يتم إضافتها لغايات السلامة، لكن أثناء عمليات تدويرها العشوائية، تصنع منها ألعاب الأطفال، والملابس، وحتى أدوات المطبخ".

وتعمل وزارة البيئة، وفق أمينها العام محمد الخشاشنة، على "التأكد من أن المواد التي تدخل في صناعة السلاسل الغذائية أو الألعاب آمنة ولم يتم إعادة تدويرها بأي شكل من الأشكال، فهي تشكل خطورة على الأطفال والنساء وكبار السن".

ويضيف: "تنشط مؤسسات الدولة على اختلافها بالرقابة على تصنيع ألعاب الأطفال، ودخولها إلى الأسواق، ومن شدة حرصنا أوجدنا لجنة مكونة من مؤسسة المواصفات والمقاييس، ووزارة الصحة، والمؤسسة العامة للغذاء والدواء، بهدف التأكد من سلامة الألعاب في الأسواق المحلية، ووضع مواصفات خاصة لدخولها".

"تعتمد المواصفات الأوروبية لدى الجهات الرقابية في فحص الألعاب، ويتم إجراء الفحص لما يقرب 18 عنصرا منها الرصاص والكروم والباريوم ... للتأكد من أن الألعاب تحوي النسب المحددة بالمواصفة، وفي حال احتواء أي لعبة على أحد العناصر بنسب أعلى، لا يسمح بدخولها، ويتم رفضها وإعادة تصديرها، أو إتلافها والتخلص منها"، كما تؤكد مساعدة المدير العام للشؤون الرقابية وفاء المومني.

"لا يوجد في الأردن شهادة متخصصة، أو رخصة تسمع باستيراد ألعاب الأطفال فقط، فيستطيع أي شخص إضافة غايات الاستيراد والتصدير إلى سجله التجاري، استيراد الألعاب على اختلافها، وبالكميات التي يحتاجها لتغطية الأسواق المحلية، وهذا ما كان سببا في انتشار ألعاب غير مطابقة للمواصفات في الأسواق" كما يؤكد نقيب تجار الألعاب يوسف أبو السيلات.

و"يقوم ثلة من مستوردي النثريات ... بإدخال بضائع غير مطابقة للمواصفات والمقاييس في بلدها الأصلي، فبعد رسوب فحص هذه البضائع في المختبرات ورفض دخولها لبلدان معينة، يتم إدخالها إلى أسواقنا المحلية وبيعها بسعر زهيد للمواطنين" كما يؤكد أبو السيلات.

ألعاب مسمومة

بعد أشهر جاءت نتائج الدراسة لتؤكد شكوك الدارسين، فيتم تحويل النفايات الإلكترونية الخطرة إلى منتجات استهلاكية جديدة للأطفال، وإرسالها إلى الأسواق العربية، والإفريقية، بدلا من التخلص منها في ظروف أمنة لا تلحق الضرر بالحجر والبشر.

تشرح مؤسسة جمعية أيادي للبيئة والتنمية المستدامة عروب الرفاعي نتائج الدراسة بالقول: "النتائج التي تخص الأردن كانت هناك لعبة على شكل ‘سيارة سوداء‘ احتلت المركز الأول مقارنة بإحدى عشرة دولة بالعينات احتوت على أعلى معدل من المواد الكيميائية السامة، كما عثر على وجود لديوكسينات، وهي أيضا ملوثات عضوية ثابتة، تدخل في المنتجات بشكل غير مقصود عن طريق الاحتراق، وعملية الصناعة".

لعبة "الكيوبك" المرتبة الأولى في الأردن ثم كينيا بأعلى مستويات لسمية الديوكسينات بحسب الرفاعي.

ما كان لافتا في التحقيق تضارب آراء الجهات الرسمية حول إجراء فحوص مخبرية للتأكد من خلو الألعاب من مثبطات اللهب ما قبل دخولها إلى الأسواق المحلية.

فوفق مساعدة المدير العام للشؤون الرقابية وفاء المومني: "لا يتم فحص مثبطات اللهب في الألعاب، فالمختبرات الوطنية المحلية لا تتوفر لديهم القدرة على إجراء هذه الفحوص، وهي بالأصل غير موضوعة في اشتراطات الدخول إلى الأسواق من عدمه".

لكن أمين عام وزارة البيئة محمد الخشاشنة أكد إجراء الفحوص لمثبطات اللهب للألعاب على وجه الخصوص ما قبل دخولها إلى الأسواق المحلية.

وبحسب عميد كلية العلوم سابقا في جامعة مؤتة محمد عنبر: "فلا يوجد عمر افتراضي لانتزاع المواد الكيميائية من ألعاب الأطفال، وقد تتحول بفعل بعض العوامل البيئية المساعدة إلى مواد أشد خطرا وضررا..." ويضيف "حتى تنتهي المادة البلاستيكية من نفسها، تحتاج إلى مئات السنين، وقد تتحول من شكل إلى آخر، لكن يبقى الضرر كما هو".

ويوضح عنبر: "هذه المواد تنتقل للأطفال عبر الفم وبشكل مباشر حال تم وضعها، أو عبر اللمس؛ وهي عملية الامتصاص، ثم إلى الخلايا، ثم الدم، بالتالي تؤدي إلى أضرار صحية، وقد تؤثر على الجهاز التناسلي للشخص، كما أنها تؤثر على الجهاز العصبي؛ من حيث فرط الحركة خاصة عند الأطفال وتؤثر بشكل غير مباشر على الكبد والكلى".

المملكة

أخبار ذات صلة

تحقيقات المملكة
السفير التركي: أنقرة تتابع قضية حصول طلبة أردنيين على شهادات ثانوية عامة دون استحقاق
تتابع السلطات التركية مخرجات التحقيق الاستقصائي "قيد المعادلة" الذي بُث على "قناة المملكة" للوقوف على قضية حصول طلبة أردنيين على شهادات ثانوية عامة تركية من مدارس خاصة ودولية دون استحقاق، وفقا للسفير التركي في الأردن، أردام أوزان. وقال أوزان، الخميس، خلال لقائه معدة التحقيق الزميلة حنان خندقجي بمقر السفارة التركية في عمّان، إنه سيعمل خلال الأيام المقبلة على مقابلة المسؤولين الأردنيين المعنيين بملف التعليم؛ للوقوف على الإجراءات المتخذة من قبلهم تجاه الملف. وشكر أوزان "قناة المملكة" على ما تقوم به من تغطيات لملفات استقصائية متخصصة تحظى باهتمام الشارع الأردني. وزير التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي الأسبق وجيه عويس، قال سابقا لـ "المملكة" إنه أوقف قبل عامين قرابة 20 طالبا يدرسون الطب والهندسة في جامعات أردنية، بعد اكتشاف حملهم شهادات ثانوية عامة مزورة. وأوضح عويس، تعقيبا على التحقيق الاستقصائي "قيد المعادلة" الذي يكشف حصول طلبة أردنيين على شهادات ثانوية عامة من تركيا بغير استحقاق، أنه خاطب جميع المؤسسات المعنية بالدولة؛ لوقف اعتماد الشهادات الصادرة عن المدارس التر
تحقيقات المملكة
الوزير الأسبق عويس: أوقفت 20 طالب طب وهندسة في جامعات أردنية يحملون شهادات توجيهي مزورة
قال وزير التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي الأسبق وجيه عويس، السبت، إنه أوقف قبل عامين قرابة عشرين طالبا يدرسون الطب والهندسة في جامعات أردنية، بعد اكتشاف حملهم شهادات ثانوية عامة مزورة. وأوضح عويس عبر "المملكة"، تعقيبا على التحقيق الاستقصائي "قيد المعادلة" والذي بث الجمعة عبر قناة "المملكة" وموقعها الإلكتروني، والذي يكشف عن حصول طلبة أردنيين على شهادات ثانوية عامة من تركيا بغير استحقاق، أنه خاطب جميع المؤسسات المعنية بالدولة لوقف اعتماد الشهادات الصادرة عن المدارس التركية، ويستثنى منهم من يدرسون البرامج الأجنبية المعتمدة لدى الأردن. وبموجب القرار الذي صدر قبل سنتين، يتوجب إعطاء قيد معادلة للطالب لحين التأكد من قبل لجان مختصة من صحة الشهادة، موضحا أنه يحق للوزارة مستقبلا التحقق من صحة الشهادة وفي أي وقت، بحسب عويس. وبين عويس أنه في حال اكتشفت وزارة التربية والتعليم تزوير الشهادة، يتم مخاطبة الجهات المعنية لسحب الشهادة ومحاسبة أصحابها. المملكة
تحقيقات المملكة
البناء الورقي "منشآت سكنية حبيسة المخططات الورقية"
أصوات المطارق وهي تدك رؤوس المسامير كانت قد أغرقت تفاصيل المكان، بالشراكة مع جلجلة لبعض مناشير الخشب وأصوات الباعة المتجولين بالقرب من المنجرة، تلوث سمعي لم يأتِ أوكله مع معاذ العمري 43 عاما، فهو يعاني من إعاقة سمعية منذ صغره، أفقدته القدرة على الحديث أو السمع. لأكثر من ربع قرن اعتاد العمري على العمل في مهنة النجارة، حتى ذاع صيته في منطقة طبربور في عمّان، وأصبح يحج إليه كل من يبحث عن تصاميم خشبية فريدة من نوعها، لكن خبرته ونجاعته في عمله لم تشفع له بأن يشتري شقة سكنية تخلو من العيوب الإنشائية، أو الخفية. بحركات إيقاعية بين يديه وجسده جلس العمري يشرح لفريق "المملكة" شراءه منزله قبل سنوات، ويقول: "لقد شاهدت شقيقتي أحد الإعلانات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حينها اتصلت مع صاحب الشقة وذهبت لرؤيتها، للوهلة الأولى أصبت أنا وزوجتي بحالة من الدهشة، فكل شيء بالمكان رسم بدقة، الطلاء المميز، الإضاءة الساحرة، حتى أن الديكورات الخشبية كانت تطغى على جميع التفاصيل المعمارية". بعد أشهر قليلة استيقظ أبناء معاذ العمري على صوت وجود تماس كهربائي في قواطع الكهرباء الرئيسية للشقة، بعدها اندلع حريق
تحقيقات المملكة
"المملكة" تبحث في شكاوى ارتفاع قيم فواتير الكهرباء
في وقت تستمر فيه لجنة نيابية مشتركة بدارسة شكاوى مواطنين من ارتفاع قيم فواتير الكهرباء بالتعاون مع ديوان المحاسبة، تتبعت كاميرا "المملكة" حالتين اشتكتا من ارتفاع قيم الفواتير. وضمت الجولة مرافقة مختصين من شركة الكهرباء فحصوا عدادات، وقدموا تفصيلات للمواطنين تتعلق بنمط استهلاكهم الكهربائي. اعتراضات وشكاوى وصلت إلى حد المناداة بالتوقف عن تسديد ذمة استهلاك فاتورة الكهرباء، وحالة عدم اقتناع شعبي تسود الأردن من تبريرات رسمية لارتفاع قيمة فاتورة الكهرباء الشهرية، إلا أن مستهلك الكهرباء هذه المرة لن يمرر فاتورة الشهر الأول من العام الحالي دون تمحيص، وبيان الأسباب. أبو سمير، الذي يقطن في منطقة الجبل الأبيض في الزرقاء، طلب على الفور حال تسلمه فاتورته الشهرية كشفا حسيا على عداد الكهرباء؛ لبيان أسباب ارتفاع فاتورته الشهرية. ارتفعت قيمة فاتورة أبي سمير، من 32 دينارا سجلت في شهر كانون الأول/ ديسمبر العام الماضي؛ لتصل إلى 69 دينارا في الشهر الأول من العام الحالي، أي ضعف القيمة. محمد محارمة، من دائرة الفحص والتفتيش في شركة الكهرباء الأردنية، قال، إن "سبب ارتفاع فاتورة أبي سمير الزياد